فخر الدين الرازي

13

تفسير الرازي

لا محالة منهياً عن موالاة الكافر ، ومتى كان منهياً عن ذلك ، كان لا محالة من شأنه وطريقته أن لا يفعل ذلك . المسألة الثالثة : قوله * ( من دون المؤمنين ) * أي من غير المؤمنين كقوله * ( وادعوا شهداءكم من دون الله ) * ( البقرة : 23 ) أي من غير الله ، وذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان ، تقول : زيد جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه ، ثم إن من كان مبايناً لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملاً في معنى غير ، ثم قال تعالى : * ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) * وفيه حذف ، والمعنى فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية الله تعالى رأساً ، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي ، وموالاة عدوه ضدان قال الشاعر : تود عدوي ثم تزعم أنني * صديقك ليس النوك عنك بعازب ويحتمل أن يكون المعنى : فليس من دين الله في شيء وهذا أبلغ . ثم قال تعالى : * ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الكسائي : تقاة بالإمالة ، وقرأ نافع وحمزة : بين التفخيم والإمالة ، والباقون بالتفخيم ، وقرأ يعقوب تقية وإنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف من الياء ، وتقاة وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة ، ومن فخم فلأجل الحرف المستعلي وهو القاف . المسألة الثانية : قال الواحدي : تقيته تقاة ، وتقى ، وتقية ، وتقوى ، فإذا قلت اتقيت كان مصدره الأتقياء ، وإنما قال تتقوا ثم قال تقاة ولم يقل اتقاء اسم وضع موضع المصدر ، كما يقال : جلس جلسة ، وركب ركبة ، وقال الله تعالى : * ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً ) * ( آل عمران : 37 ) وقال الشاعر : وبعد عطائك المائة الرتاعا فأجراه مجرى الإعطاء ، قال : ويجوز أن يجعل تقاة ههنا مثل رماة فيكون حالاً مؤكدة . المسألة الثالثة : قال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم نعم نعم ، فقال : أفتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم ، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ، ومحمد رسول قريش ، فتركه ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم ، قال : أفتشهد أني رسول الله ؟ فقال : إني أصم ثلاثا ، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له ، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه .